تطرح الكاتبة ميلاني روبنز رؤية مختلفة لإعادة إعمار غزة، حيث تؤكد أن أي خطة جادة لا يمكن أن تنجح دون منح الفلسطينيين قدرة حقيقية على التحكم في مواردهم المالية. تشرح أن الأزمة لا تتعلق فقط بالبنية التحتية المدمرة، بل تمتد إلى كيفية دفع الأفراد والشركات تكاليف حياتهم اليومية في ظل نظام مالي هش ومعتمد على أطراف خارجية.
في هذا السياق، يوضح تقرير أتلانتيك كاونسل أن الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية يعتمدون بشكل كبير على البنوك الإسرائيلية للوصول إلى النقد والنظام المالي العالمي، وهو اعتماد يمنح إسرائيل نفوذًا واسعًا على الاقتصاد الفلسطيني. يؤدي هذا الوضع إلى تعقيد عمل المنظمات الإنسانية، خاصة مع احتمال قطع هذا الوصول وفرض قيود جديدة، ما يهدد بتقليص المساعدات وتعطيل دفع رواتب العاملين المحليين.
اختناق مالي يهدد الاستقرار
تعاني غزة من اقتصاد ينهار تدريجيًا، حيث يواجه السكان نقصًا في السيولة وتراجعًا في السلع والخدمات. يعتمد النظام المالي الفلسطيني على الشيكل الإسرائيلي، بينما تحتاج البنوك الفلسطينية إلى بنوك إسرائيلية لتسوية معاملاتها. يمنح هذا الترابط إسرائيل سلطة مباشرة على تدفق الأموال.
تزيد الأزمة تعقيدًا مع اقتراب توقف التسهيلات القانونية التي تسمح للبنوك الإسرائيلية بالتعامل مع نظيرتها الفلسطينية. في حال اختفاء هذه التسهيلات، تتعطل التجارة والتحويلات المالية، ويواجه الاقتصاد خطر الانهيار الكامل. في الضفة الغربية، تتكدس السيولة النقدية دون قدرة على استخدامها بكفاءة، بينما تعاني غزة نقصًا حادًا في النقد اللازم للمعاملات اليومية.
يرتبط هذا الوضع باتفاقيات قديمة مثل بروتوكول باريس عام 1994، الذي ربط الاقتصاد الفلسطيني بالعملة الإسرائيلية دون منح الفلسطينيين سلطة إصدارها أو التحكم بها، ما جعل النظام المالي محدود السيادة منذ البداية.
الأزمة الإنسانية والمالية وجهان لعملة واحدة
تتداخل الأزمة المالية مع الأزمة الإنسانية بشكل مباشر. تعتمد المنظمات الإنسانية على القنوات المصرفية الفلسطينية لتوزيع المساعدات النقدية، ومع تراجع السيولة وصعوبة التحويلات، تزداد صعوبة إيصال الدعم.
تفرض إسرائيل متطلبات جديدة على المنظمات غير الحكومية، ما يدفع بعض المؤسسات الكبرى إلى رفض الامتثال، ويهدد بخروجها من غزة. يؤدي هذا إلى تقليص المساعدات بشكل خطير، خاصة إذا توقفت القدرة على دفع رواتب العاملين المحليين نتيجة القيود المالية.
في الوقت نفسه، تحتجز السلطات الإسرائيلية جزءًا من عائدات الضرائب الفلسطينية، ما يزيد الضغط على الاقتصاد. يخلق هذا الواقع بيئة خصبة لعدم الاستقرار، حيث يؤدي غياب الوظائف ووسائل الدفع إلى توسع شبكات غير رسمية، تفرض رسومًا مرتفعة وتغذي نفوذ الجماعات المسلحة.
الحلول الرقمية وبوادر الأمل
رغم كل القيود، يظهر بعض التكيف داخل المجتمع الفلسطيني. تنتشر المحافظ الرقمية بسرعة، حيث يستخدم السكان منصات مثل PalPay وJawwalPay لإجراء المعاملات في ظل نقص النقد. تسجل هذه الأدوات نموًا ملحوظًا في عدد المستخدمين وحجم العمليات، ما يعكس مرونة الاقتصاد المحلي.
تدعم منظمات دولية هذه الحلول الرقمية، التي توفر شفافية أعلى مقارنة بطرق المساعدات التقليدية. ومع ذلك، تظل هذه الأنظمة مرتبطة بالبنية المصرفية التقليدية، ما يعني استمرار التأثر بالقيود المفروضة من الخارج.
تقترح المبادرات الجديدة إدخال عملات رقمية مستقرة وتطوير بنية مالية رقمية، ما قد يوفر حلًا مؤقتًا أو متوسط المدى. لكن الحل الجذري يتطلب بناء نظام مالي يتمتع بقدر أكبر من الاستقلالية، مع ضمان الامتثال للمعايير الدولية.
نحو سيادة مالية فلسطينية
تؤكد الكاتبة أن تحقيق الاستقرار الاقتصادي يتطلب منح الفلسطينيين أدوات مالية آمنة وموثوقة، تشمل أنظمة دفع مستقرة، وعلاقات مصرفية متنوعة، وإمكانية الوصول إلى الأسواق العالمية. لا يعني ذلك الانفصال الكامل عن النظام المالي العالمي، بل بناء نموذج يوازن بين السيادة والتكامل.
تشير إلى أن غياب هذه الخيارات يدفع الأفراد نحو قنوات غير رسمية مكلفة، ويعزز اقتصادًا موازياً يفتقر إلى الشفافية. في المقابل، يمكن للتكنولوجيا المالية أن تلعب دورًا محوريًا في خلق مسارات جديدة للتحويلات والمعاملات، مع الحفاظ على معايير مكافحة غسيل الأموال.
في النهاية، ترى الكاتبة أن مستقبل غزة لا يعتمد فقط على إعادة بناء الطرق والمباني، بل يرتبط بشكل أساسي ببناء نظام مالي يمنح الأفراد القدرة على التحكم في حياتهم الاقتصادية. بدون ذلك، ستظل أي خطة إعادة إعمار ناقصة، مهما بلغت الاستثمارات أو الوعود السياسية.
https://www.atlanticcouncil.org/in-depth-research-reports/issue-brief/reconstructing-gaza-starts-with-giving-palestinians-financial-agency/

